( 15 ) لأنه من الضروريات . ودور الدولة هذا ينبع من اهتمامها الشرعي بالفرد والجماعة ، وينبع ايضاً من اهتمام ولي الامر الفقيه بمصلحة من يتولاهم من الافراد . ولاشك ان النظرية القرآنية قدمت ثلاثة مشاريع متوازية لتكامل النظام الصحي للفرد والجماعة ؛ اولها : النظام الوقائي ، وهو النظام الذي يعالج الحالة المرضية قبل وقوعها عن طريق تنظيم دخول المواد الغذائية إلى جسم الإنسان . وثانيها : النظام الغذائي ، وهو النظام الذي يبعث في الافراد كل ألوان الطاقة والنشاط والتفكير . وثالثها : النظام العلاجي ، وهو النظام التجريبي الذي لابد ان يستخدمه الفرد في الحالات المرضية الاستثنائية ، وقد جاء التأكيد الشرعي عليه من باب احترام القرآن الكريم للحياة الانسانية المتمثل في قوله تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) المائدة : 32. ولاشك ان الاسلام يضمن معيشة المريض وعائلته ضماناً مالياً إلى حد الشفاء والرجوع إلى الساحة الانتاجية . ولاشك ان اتفاق الفقهاء على ان الطبيب يضمن ما اتلف بعلاجه ضمن شروط معينة ، يعكس تكامل الفكرة الاسلامية حول السياسة الطبية في النظام الاجتماعي الاسلامي. وعلى صعيد السياسة العائلية ، فان النظرية القرآنية تتناول دور العائلة في تعويض الخسارة البشرية للمجتمع الناتجة بسبب الموت ، وضبط وتهذيب السلوك الجنسي ، وحماية الافراد وتربيتهم واشباع حاجاتهم العاطفية ، وتنميتهم للاختلاط والتفاعل الاجتماعي لا حقاً ؛ بل ان القرآن الكريم اعتبر ( الاسرة ) محطة استقرار لعالم متحرك تنتقل من خلاله ممتلكات الجيل السابق للجيل اللاحق عن طريق الأرث والوصية الشرعية ، ومحطة لفحص وتثبيت انساب الافراد عن طريق اعلان المحرمات النسبية والسببية الناتجة عن الزواج وجواز الاقرار بالنسب . فالعائلة ـ اذن ـ تساهم في خلق الفرد الاجتماعي الصالح للعلم والانتاج ، المشارك في بناء النظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع الاسلامي . وبذلك فان الاسلام يعارض نظرية ( الصراع الاجتماعي ) التي آمنت بأن المؤسسة العائلية هي اول مؤسسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية ، ويعارض النظرية التوفيقية التي ساندت العائلة الرأسمالية واعتبرتها من انجح التشكيلات الاجتماعية على الرغم من ظاهرة العنف والاضطراب التي تمزق تلك العائلة الرأسمالية اليوم. وعلى صعيد النظام السياسي ، فان النظرية القرآنية أولت ( الولاية الشرعية ) في المجتمع الاسلامي أهمية خاصة ؛ لان الولاية لازمة بالبديهة ، بل ان السؤال الذي اختلف حوله المسلمون بعد وفاة النبي (ص) لم يكن في اصل الخلافة ، وانما كان في موضوع الخلافة والمواصفات التي يجب ان يتحلى بها الخليفة الذي يتحمل مسؤولية الولاية الشرعية والاشراف على تنظيم شؤون الافراد في المجتمع الاسلامي