( 260 ) لفرد متصل بالمطلق . ولكن الشريعة اجازت لمجتهدين استخدام الادلة الظنية الموصلة للحق . وعليه فان المجتهد ، هو اكثر الافراد حظاً في اصابة الواقع واقامة العدل ، ولذلك أسند له دور القضاء. ثانياً : ان حكم المجتهد في النظرية الاسلامية لا يغير الحكم الواقعي . فلو ظهر لمجتهد آخر خطأ المجتهد الاول بطريق القطع واليقين ، جاز له نقضه . لان المدار في الاجتهاد الدليل القاطع كالآية القرآنية الصريحة ، والاجماع المحصل ، والحديث المتواتر . والمعيار لنقض الحكم هو العلم اليقيني بمخالفته للواقع . بمعنى ان الحكم ينفذ ظاهراً لا باطناً . والاصل في ذلك ، ان كل القضاة المجتهدين يعتمدون على الادلة الظنية الموصلة للحق اولاً ، والاجتهاد الذي يحتمل فيه الخطأ والصواب ثانياً ، فلا يستطيع احدهم نقض حكم الآخر ، الا اذا ظهر لقاضٍ ثانٍ خطأ حكم القاضي الاول بطريق القطع واليقين . وعليه ، فان الاستئناف هنا ، استثنائي ومحدود جداً ، وليس الاصل في كل الاحكام الجنائية والحقوقية. اما في النظام القضائي الغربي ، فان الاستئناف حق دستوري وليس قضية ثانوية (1) ؛ بل ان اول ما يلمح به محامي الدفاع امام هيئة المحلفين ، حق المتهم في محاكمة استئنافية اذا لم تحرز عدالة المحاكمة الاولى . ولكن اذا كانت هيئة المحلفين في المحاكمة الاولى بعيدة عن روح العدالة في حكمها على المتهم ، فمن الذي يضمن عدالة محاكم الاستئناف بهيئة محلفين جديدة او بقضاة آخرين يمتلكون نفس مواهب نظائرهم في المحاكم الدنيا ؟ ____________ (1) ( بنجامين كاردزو ) . طبيعة العملية القضائية . نيويورك مطبعة جامعة ييل ، 1921 م.