(91) أقـول: قوله تعالى: (حَتّى تَسْتَـأْنِسُوا) قيل فيه وجهان: أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم كقوله: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) (1) وهذا من باب الكناية والإرداف (2)، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن. والثاني: أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف: استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً. والمعنى حتى تسلّموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا (3)؟ وقيل: كان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حُيّيتم صباحاً وحُيّيتم مساءً، ثم يدخل، فربّما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل. وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك: بينا أنت في بيتك إذا رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايي إسلام ولا جاهلية، وهو ممَّن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله، صلّىالله عليه ـ وآله ـ وسلم، ولكن أين الأُذن الواعية (4)؟. ولدخول بيوت الأهل، والأرحام، والمشاهد، والأعتاب المقدسة، وبيوت الله جلّ جلاله، آداب قد بينها الكتاب والحديث، فمن الأول قوله تعالى: ____________ 1 ـ الأحزاب: 53. 2 ـ من جعل الشيء رديفاً لآخر، وصرح في المتن بالمقصود. 3 ـ تفسير الكشاف 3 | 226، ومنه آية (ءانَسَ مِن جانِب الطُّورِ ناراً). القصص: 29. أي: أبصر ناراً، وكان نور الربّ تعالى قد تجلى للجبل. 4 ـ تفسير الكشاف 3 | 227. 1 ـ (... فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) (1). وصدر الآية نفي الحرج عن الأعمى، والأعرج، والمريض (2)، وأرباب البيوت، من دخولها والأكل منها، وبيوت الآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، ومالكي المفاتيح، والأصدقاء، أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً ثم قال عزّ وجلّ: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا...). ويريد تعالى من (بيوتاً) البيوت المذكورة في الآية بيوت الأهل، والأرحام، فعلى الداخل لكلٍ منهما السلام: تحية الله المباركة الطيبة سلام الاستئذان قبل الأكل منها، سواء أكان أحد فيها أم لا؛ فإن ملائكة الله في كل مكان موجودون، وعلى الأقل الملكان الموكلان الكاتبان لأعمال الإنسان، وقد سبق ذكر آي للملائكة الموكلة عليه منها: (وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين) (3). التفسير: 1 ـ روى الشيخ الصدوق بإسناده إلى أبي الصباح قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على ____________ 1 ـ النور: 61. 2 ـ كان أهل المدينة يتحرجون من أكل الطعام مع الأعمى والأعرج والمريض من ذوي قرباهم، وجاء الإسلام يدفع عللهم للتحرج مع هؤلاء... الدر المنثور 5 | 58. 3 ـ الانفطار: 10 ـ 11. والكاتبان أحدهما الملك المسمى بـ " الرقيب "، والثاني " العتيد ".