( 381 ) مهمل جانب الروح، أوناس جانب الجسد، ويتجلّى هذا المنطق وهذا المنطلق في موقف القرآن الكريم من الدنيا والآخرة، فهو يرسم لنا كيف يجب أن يتعامل الإنسان مع كلّ واحد من هذين الجانبين، ولهذا يتعيّن علينا ـ قبل أيّ شيء ـ أن نلقي نظرة فاحصة على ما ذكره القرآن في هذا الصعيد. ورغم أنّ هذا البحث حول (الدنيا والآخرة) في القرآن يعتبر من أهمّ البحوث وأوسعها لكثرة الآيات الواردة فيه، إلاّ أنّه ربّما غفل البعض عن موقف القرآن الحقيقيّ في هذه المسألة، فخرج بتفسيرات وتوجيهات بعيدة عن هدف الإسلام، وروح تعاليمه الجامعة. لقد نظر القرآن الكريم في آياته نظرة شاملة جامعة إلى الدنيا والآخرة، ولكن فريقاً من الناس لم يلاحظ إلاّ الآيات التي تحث على الاستفادة من النعم الدنيويّة فوصف (الإسلام) بأنّه دين ماديّ المنزع يسعى لضمان الجانب الماديّ فحسب، في حين لاحظ فريق آخر تلك الآيات الذامة للدنيا والآخذين بها، والتي تصفها بأنّها (متاع قليلٌ) ولذلك وصف الإسلام بأنّه يخالف الدنيا، وأنّه دين الآخرة ليس إلاّ، في حين أنّ النظرة الشاملة لجميع الآيات الواردة حول هذه المسألة تهدينا إلى غير ما ذهب إليه هذا، أو ذاك الفريق. فهي تقودنا إلى معرفة الموقف القرآني الحقيقيّ اتّجاه الدنيا والآخرة، واتّجاه الماديّة والمعنويّة. ولمّا كان هذا البحث بحثاً قرآنياً مفصّلاً ومستقلاً فإنّنا نكتفي هاهنا بعرض المسألة إجمالاً، ونشير إلى بعض الآيات تاركين تحقيق المطلب إلى موضع آخر. إنّ الناظر إلى آيات القرآن الكريم حول الدنيا يجدها على طوائف ثلاث: 1ـ طائفة مادحة للدنيا. 2ـ طائفة ذامة لها. 3ـ طائفة حاثّة على الأخذ بالدنيا والآخرة معاً ومشيرة إلى أنّ الدنيا الملهية هي المذمومة دون غيرها.