( 31 ) فما أروع هذا التشبيه حيث إنّ الراكب المنبتِّ و إن كان يعدو بفرسه أميالاً عديدة بغية الوصول إلى غايته، ولكنه بفعله هذا يُنتج عكس المطلوب حيث إنّ المركوب يُعْييه التعبُ ولا يكون بمقدوره الاستمرار في العدو، ويبقى هو في وسط الطريق لا يهتدي إلى بغيته، فهو لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى. فهكذا الدعوة إلى الشريعة إذا كانت مقرونة بالشدة والضعف تنتج عكس المطلوب حيث لا تجد لها أُذناً صاغية، بل يخرج الناس منها أفواجاً. ولاَجل ذلك صدع النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بسهولة شريعته، وقال: "بعثت بالشريعة السهلة السمحة".(1) 10. دلّت الآيات القرآنية على أنّ التكليف على القدر المستطاع وقد أطبق عليه العقل والنقل، إذ كيف يمكن تكليف الناس بأعمال، كإدخال الشيء الكبير في الظرف الصغير، من دون تغيّر في الظرف والمظروف؟ أو التحليق في الهواء دون وسيلة، إلى غير ذلك من الاَُمور الممتنعة التي تدخل في نطاق التكليف بما لايُطاق، حتى أنّمحقّقي العدلية ذهبوا إلى أنّهذا النوع من التكليف المحال، بمعنى أنّه لا ينقدح في ذهن الآمر، الطلب و الاِرادة الجدية المتعلِّقة ببعث العاجز إلى المطلوب، ولو تظاهر به فإنّما تظاهر بظاهر التكليف لا بواقعه. فتكون النتيجة: انّامتناع المكلف به يلازم امتناع نفس التكليف أيضاً، يقول سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إِلاّوُسْعها) .(2) وقال في آية أُخرى: (لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إِلاّما آتاها) .(3) ومضمون كلتا الآيتين واحد، وهو أنّاللّه يكلّف الاِنسان بقدر طاقته وقابليته. هذه نماذج استعرضناها لاِثبات أنّ التشريع الاِسلامي يتمتّع بمرونة، و أنّه مبنيٌّ على أساس العدل. وفي الحقيقة انّ التشريع الاِسلامي من مظاهر عدله في هذا المجال. ____________ (1)سفينة البحار:1|695. (2)البقرة:286. (3)الطلاق:7.