( 164 ) وهل ذنب هؤلاء ليس سوى إعراضهم عن عبادة اللّه وحده، وعبادة الأصنام التي ظنوا أنَّها شفعاء لا أكثر . أفليس مقتضى البلاغة في المقام هو صب الحديث على معتقداتهم التي هم عليها، لا النقاش فيما لم يكن عندهم بموضع نزاع .. بل كان موضع اتفاق (أعني: وجود اللّه الواحد). انّ الجواب على هذا السؤال هو ما قلناه، وبينّاه في قوله تعالى: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ) . فهناك قلنا: بأنّ القرآن الكريم يحاول بطرح هذه التساؤلات أخذ الاعتراف من ضمائرهم وتحريك ما هو كامن في فطرتهم لأجل إيقاظها وتنبيهها، كمقدمة لأخذ نتيجة أُخرى. إنّ القرآن يسعى من خلال الاستفادة من المقدمة المسلم بها التي تنطوي عليها ضمائر القوم وهي "اعترافهم بوجود اللّه الواحد" أن يمهد لدعوتهم إلى عبادة اللّه الواحد، وهدايتهم إلى توحيد العبادة. فبأخذ هذا الاعتراف منهم (نعني الاعتراف بأنّه لا خالق ولا مدبّر لهم إلاّ اللّه، وأنّه الخالق المدبّر الوحيد الذي منه وجود وتدبير كل الكائنات على الإطلاق). أقول: بأخذ هذا الاعتراف يوجه القرآن ضربة قاضية إلى مسلكهم المنحرف في العبادة، لأنّه إذا كان الخالق والمدبّر واحداً لا أكثر.. وإذا كان هذا الخالق والمدبّر هو الوحيد الذي استمدت منه كل الموجودات (من إنسان وغيره) وجودها وتدبيرها، فإذن لابد من عبادته وحده، والكف عن عبادة غيره من الموجودات