( 189 ) إذن يجب علينا أن ننظر كيف عمل اللّه بوعده في استخلاف المؤمنين. إنّ انتشار الإسلام وتوسعه في عهد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده لهو أحد تلك الوعود، والبشائر التي تحقّّقت، وهو بالتالي إحدى الآيات الآفاقية الدالة على صدق أخبار القرآن الغيبية المستقبلية. كما أنّ هلاك صناديد قريش وأقطابها وزعمائها في بدر و أحد و الأحزاب واندحار النظام الكسروي والقيصري هي الأُخرى من الآيات الأنفسية الشاهدة على صدق أخبار القرآن ومغيّباته. وبعد تحقّق هذين النوعين من الآيات والعلامات يجب أن لا يشك أحد في صحة القرآن الكريم وصدقه، لصدق تنبّؤاته، وصحة دعاويه. لقد ذكر اللّه تعالى في ذيل الآية الثانية بواحد من أهم أُسس الدعوة القرآنية، ألا وهو حضور اللّه في كل مكان وشهادته على كل شيء دون استثناء أو أنّ جميع الأشياء تراه وتشهده، إذ قال: (أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ) . وعندئذ ـ أي وفق النظرية التي ذكرناها ـ لا تكون الآية الثانية ناظرة إلى الاستدلال على وجود اللّه سبحانه عن طريق الآيات الآفاقية والأنفسية، بل تكون ناظرة إلى صحة دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لتحقّق أخباره. وهذا التفسير ـ كما قلنا ـ إنّما يكون وجيهاً ومقبولاً إذا ربطنا بين الآيتين وحافظنا على وحدة السياق بينهما. وأمّا إذا درسنا الآية الثانية بقطع النظر عن الآية المتقدمة عليها، أو احتملنا نزول الآية الثانية مرتين: مرة مع الآية الأُولى وبصحبتها، وأُخرى منفردة وبصورة