( 213 ) أمّا أنّها لا يمكن أن تكون عن طريق الوراثة، فلأنّ المعلومات لا يمكن أن تنتقل من أحد إلى أحد من هذا الطريق، وإلاّ لكان ابن الطبيب طبيباً بالوراثة، ولكان ابن العالم عالماً بالوراثة حتماً دون أن يتلقّى العلم أو الطب من أحد. وأمّا أنّ هذه الحيوانات لا تفعل ما تفعل بتأثير الغريزة فقط، فلأنّ الغريزة لا يمكن أن تخضع للانتخاب والاختيار، بينما نجد كثيراً من هذه الحيوانات عندما تواجه مفترق طرق متعدّدة تختار إحداها بفعل ما تتلقّاه من الهداية والتوجيه، وهذه الهداية التي تعين الحيوانات على الانتخاب والاختيار هو ما يسمّى في منطق القرآن بالوحي أو ما سمّـاه بعض العلماء بـ "الإلهام"(1). ونمثّل لهذا الأمر بما جاء حول النحل في القرآن الكريم، إذ يقول: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ).(2) فحشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها، نعني: العسل، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل، وفي ذكاء مفرط، وانضباطية فائقة. فتختار ـ في ذكاء ـ أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد. وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 . راجع كتاب العلم يدعو للإيمان : 116. 2 . النحل: 68 ـ 69.