( 372 ) إنّ المحتاج إلى الموجد والخالق إنّما هو وجود نفس الكرة الأرضية، وأمّا صغرها وكبرها فهو وليد الذهن والفكر الذي ينشأ من مقارنة جسمين ببعضهما. من هذا البيان يمكن معرفة حقيقة "الشرور والآفات" وأنّها من أي نوع من هذين النوعين من الصفات. هل هي من الصفات الحقيقية؟ أو هي من الصفات النسبية؟ بمراجعة سريعة وتحقيق عاجل يمكن معرفة أنّ الشرور أُمور نسبية لا حقيقية بمعنى أنّ صفة الشر ليست جزءاً من ذوات وحقائق الأشياء الموصوفة بالشر ، بل الشر حالة تنسب إلى شيء من الأشياء عندما يقاس إلى شيء آخر، فسم الحية والعقرب وغزارة المطر لا تكون شراً إذا ما قيست بنفس الأشياء، بل هي مبعث كمالها وموجب لبقائها واستمرار حياتها ووجودها، إنّما هي شر إذا ما قيست إلى الإنسان وتضرر البشر بها فالمطر الغزير مثلاً لا يكون شراً في حد ذاته بل عندما يقاس بشيء آخر اتصف حينئذ بهذا الوصف، فلو نزل المطر الغزير في فصل مناسب أحيا الزرع والنبات واخضرت بسببه المزارع والحدائق وكان خيراً، ولكنّه يكون شراً من جهة كونه موجباً لانهدام الأكواخ في الصحارى والبراري، وعلى هذا فإنّ الخير والشر لو كانا من الأوصاف الحقيقية وكان لهما حظ من الوجود لأمكن وصح حينئذ أن نسأل عن موجدها وخالقها ونقول: إنّ المبدأ الذي يتصف بالخير المطلق لا يمكن أن يكون خالق الشرور، ولذلك نضطر إلى افتراض خالق آخر (غير خالق الخير) يكون خالق الشرور وموجودها. ولكنّ الحق أنّه ليس للشرور "واقعية خارجية" ليتعلّق بها جعل وخلق،