( 371 ) في شأنه هذا "أصغر" وهذا "أكبر" أو هذا "صغير" وذاك "كبير"، فإنّ الصغر والكبر وصفان لا يصدقان على شيء إلاّ بعد مقارنته بشيء آخر،فالكرة الأرضية ـ مثلاً ـ إنّما يمكن وصفها بالصغر والكبر ويقال الكرة الأرضية "صغيرة" أو "كبيرة" إذا ما قيست بكرة الشمس والقمر فحينئذ يصح قولنا: الكرة الأرضية أصغر من الشمس وأكبر من القمر،فالصغر والكبر ليسا وصفين حقيقيين بالنسبة إلى الأرض بحيث يدخلان في حقيقة الأرض وإلاّ لما أمكن وصفها بوصفين متضادين، بل هما وصفان نسبيان وحالتان للأرض يعرضان لها كلّما قيست إلى الكرتين " الشمس و القمر" ويمكن وصف الأرض بهما في تلك الحالة، وبذلك لا يكون هذان الوصفان حقيقيين. من هذه المقارنة والبيان يمكن استنباط نتيجة فلسفية هامة، وهي: انّ "الصفات الحقيقية" على غرار موصوفاتها التي تتمتع بواقعية لا تنكر على صعيد الخارج، إنّما تحتاج إلى جاعل وخالق. وأمّا الصفات النسبية حيث إنّـها ليست بذات واقعية خارجية، بل هي وليدة الذهن، ونتيجة أفكارنا لدى المقايسة لا تكون محتاجة إلى الخالق والموجد، إذ لا واقعية خارجية لها حتى تكون محتاجة إلى موجد. إنّ حياة الخلية أو وصف المتر بكونه مائة سنتيمتر من الأُمور التي تتمتع بالواقعية الخارجية، فما لم يكن وراؤهما واقعية أُخرى (ونعني الخالق)، لما تحقّقا على صعيد الخارج، ولما كان لهما حظ من الوجود خارج عالم الذهن حسب قانون العلية. ولكن الصغر والكبر في المقابل بالنسبة إلى الأرض ليسا لهما واقعية خارج الذهن لكي يحتاجان إلى الخالق والموجد.