( 109 ) التشريعيّ في الإسلام، هو التكامل في البيان والتدريج في النزول; لأجل أنّ بيان الأحكام لا يصحّ إلاّ بعد وجود مقتضيات وشروط في نفس المجتمع. أضف إلى ذلك; أنّ التدريج في البيان والنزول إذا كان متّصلاً بالواقعة الخاصّة التي نزل في حقّها القرآن يكون أوقع في النفوس وأقرب إلى الحفظ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وا حِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيْلاً ) (الفرقان: 32) وقوله سبحانه: (وَقُرْءَانَاً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الْنَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيْلاً ) (الاسراء: 106). هذا مضافاً إلى ناحية خاصّة بالمجتمع المدنيّ في عهد الرسول كانت تستوجب هذا التدرج; وهو كون ذلك المجتمع فاقداً لأيّ قانون اجتماعيّ وأخلاقيّ، فكان تعليمه جميع القوانين الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة دفعةً واحدةً، أو في فترة قصيرة; أمراً يكاد يكون مستحيلاً حتّى لو خلت حياة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من المشاكل والمتاعب التي مرّ ذكرها. وقد كان ذلك عاملاً من عوامل عدم قدرة الاُمّة على استيعاب كلّ معالم الشريعة وأبعادها وتفاصيلها وتفريعاتها، وأخذها من النبيّ الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم. ثمّ إنّ اُموراً وأسباباً عديدةً اخرى كانت تقتضي التدرّج في نزول القرآن الكريم إلى جانب ما ذكرناه، ويمكن تلخيصها فيما يلي: 1ـ تثبيت فؤاد النبيّ إنّ النبيّ إذ كان يتحمّل مسؤوليةً ضخمةً جداً وكان يواجه في هذا السبيل صعوبات ومشقّات صعبة جدّاً; كان لابدّ له من إمداد غيبيّ مستمرّ غير منقطع ونجدة إلهيّة متّصلة; ولهذا كان نزول جبرائيل المتكرر موجباً لتسليته وتقويته الروحيّة وإلى هذا أشار القرآن إذ قال: ( كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادكَ ) ( الفرقان: 32).