( 155 ) 1ـ تصوّر النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن القيادة بعده: لاريب أنّ من أهمّ الأدلة على لزوم نصب الإمام والقائد بعد النبيّ هو تصوّر النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نفسه عن هذه المسألة، فماذا كان هذا التصوّر ؟ هل كان النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يعتقد بلزوم نصب الإمام والقائد من جانب اللّه ؟ أم كان يعتقد ترك ذلك إلى نظر الاُمّة وإرادتها وإختيارها ؟ أم كان يعتبر ذلك من شؤونه واختصاصاته على الأقل ؟؟ إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول الأكرم وموقفه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من قضية القيادة بعده، تدلّ على أنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان يعتبر أمر القيادة وتعيين القائد مسألةً إلهيّةً وحقاً إلهيّاً. . فاللّه سبحانه هو الذي له أن يعين القائد وينصب الخليفة الذي يخلِّف النبيّ بعد وفاته. ولا نجد في كلّ ما نقل عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ما يدل على إرجاع الأمر إلى اختيار الاُمّة ونظرها، أو إلى اراء أهل الحلّ والعقد واجتماعهم، أو غير ذلك من صور الانتخاب والتعيين غير الإلهيّ. إنّ الأدلة والشواهد النقليّة تشهد برمتها بأنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ذكر للاُمّة مراراً بأنّ تعيين الأمير من بعده أمر إلهيّ، وليس له في ذلك شيء، فلا يمكنه أن يقطع لأحد عهداً بأن يستخلفه من بعده، دون أن يأذن اللّه تعالى له في ذلك أو يأتيه منه سبحانه أمر ووحي. وفيمايأتي نذكر شاهدين تأريخيين على ذلك، والشاهد الأوّل أكثر صراحة في ما ذكرناه: 1ـ لمّا عرض الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم نفسه على بني عامر الذين جاؤوا إلى مكة في موسم الحجِّ ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟). فقال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء" (1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1- السيرة النبويّة لابن هشام 2:424 ـ 425.