( 156 ) 2ـ لما بعث النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم سليط بن عمرو العامريّ إلى ملك اليمامة (هوذة بن عليّ الحنفيّ )الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الإسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يقول فيه: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي، وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك). فقدم سليط على النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأخبره بما قال هوذة، وقرأ كتابه فقال النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "لو سألني سيابةً من الأرض ما فعلت. . باد وباد ما في يده " (1). ونقل ابن الأثير على نحو آخر فقال: أرسل هوذة إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وفداً يقول له: (إن جعل له الأمر من بعده أسلم وصار إليه ونصره، وإلاّ قصد حربه). فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "فمات بعده قليل لا ولا كرامة. . اللهمّ اكفنيه" (2). إنّ هذين النموذجين التاريخيين الذين لم تمسّهما أيدي التحريف والتغيير يدلان بوضوح كامل على تصوّر النبيّ الأكرم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن مسألة الخلافة والقيادة من بعده، فهما يدلاّن على أن هذه المسألة كانت إذا طرحت على النبيّ، وسئل عمّن سيخلّفه في أمر قيادة الأمّة كان يتجنب إرجاعها إلى نفسه، أو إلى نظر الاُمّة، بل يرجع أمرها إلى اللّه تعالى. أو يتوقّف في إبداء النظر فيه على الأقل. على أنّ مسألة انتخاب الخليفة القائد بعد النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لو كانت من شؤون الاُمّة وصلاحياتها وجب أن يصرح النبيّ بذلك أو يشير إلى أصل الموضوع ولو بالإجمال. بل وجب أن يبيّن للاُمّة الطريقة الصحيحة للانتخاب، ويذكر لهم الشروط والضوابط اللازمة في الناخب، والمنتخب، لكي يتحقق هذا الأمر بوجه صحيح; بينما نجد النبيّ لا يتعرض لهذا الأمر أبداً، ولم يؤثر عنه أيّ نقل، وإرشاد وتعليم في هذا المجال، رغم أهميّة الموضوع وخطورته البالغة، مع أنّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قد تعرّض لاُمور أسهل وأبسط ــــــــــــــــــــــــــــ 1- طبقات ابن سعد الكبرى 1:262. 2- الكامل في التاريخ لابن الأثير 2:146.