( 176 ) وفي عبارة رابعة قال مجيباً على اعتراض أبي عبيدة الجّراح على الإمام حرصه على الخلافة والإمرة: "بل أنتم ـ واللّه ـ أحرص وأبعد وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه وتصرفون وجهي دونه" (1). ووجه الدلالة لهذا الكلام العلويّ يتّضح إذا درسنا هذا الحقّ الذي يدّعيه الإمام لنفسه، ماهيّته وحقيقته. وفي عبارة خامسة يقول الإمام ـ عليه السلام ـ: "فواللّه ما زلت مدفوعاً عن حقّي مستأثراً عليّ منذ قبض اللّه نبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حتّى يوم النّاس هذا" (2). والعجيب; أنّ ابن أبي الحديد فسّر هذا (الحقّ) الذي صرّح به الإمام في مواضع عديدة بما يخالف ظاهره. إذ قال ما توضيحه: إنّ الإمام لمّا كان أقرب الناس إلى النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وكان أعلمهم وأعدلهم كان له بذلك (حقّ طبيعيّ ) بأن يكون هو الخليفة، وأن يقع اختيار الاُمّة عليه للقيادة والإمرة، غير أنّ الاُمّة ـ مع ماله من الحقّ المذكور ـ عدلت عنه، وقدّمت المفضول على الفاضل لمصلحة كانت تراها، فعمد الإمام إلى التظلّم والشكوى واللوم على الناخب والمنتخب. فالحقّ الذي يدّعيه الإمام ـ عليه السلام ـ في هذه العبارات، والذي حرمته قريش وأزالته عنه ليس حقّاً شرعيّاً، وليس انتخاب غيره عدولاً عن أمر الشرع، بل كان حقاً طبيعيّاً، وعقليّاً واجباً يوجب على الإنسان ان لا يعدل مع وجود الأعلم إلى العالم، ومع وجود الأفضل إلى المفضول، ومع وجود اللائق إلى غير اللائق، بل لابدّ أن يعطى زمام الأمر إلى العالم المستجمع لشرائط القيادة روحيّاً وجسميّاً. بيد أنّ هذا التوجيه والتفسير، ينبع عن رأي مسبّق اتخذه صاحبه، ودرس (الحقّ) مستنداً على ذلك الرأي والموقف المسبّق وهو غير مقبول. ــــــــــــــــــــــــــــ 1- نهج البلاغة لعبده:الخطبة 167. 2- نهج البلاغة:الخطبة 59.