( 190 ) فهو بما أنّه خليفة اللّه يحكي ـ بوجوده ـ قدرة اللّه المستخلف له، وعمله، فهو يتفنّن ويبتدع، ويكتشف، ويستخرج، ويجدّ، ويعمل، فيجعل الحزن سهلاً والماحل خصباً، والخراب عمراناً، والبراري بحاراً أو خلجاناً، ويولّد بالتلقيح أزواجاً من النبات، وقد يتصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية، والتوليد حتّى ظهر التغيير في خلقتها، وخلائقها، وأصنافها فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهليّ والوحشيّ، فهو ينتفع بكلّ نوع منها ويسخِّره لخدمته، كما سخّر القوى الطبيعيّة، وسائر المخلوقات. أليس من حكمة اللّه الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى; أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض يقيم سننه، ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته، وبدائع حكمه، ومنافع أحكامه ؟وهل وجدت آية على كمال اللّه، وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان، الذي خلقه على أحسن تقويم، وإذا كان الإنسان خليفته بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه (1). ولأجل خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه في الاُمور التكوينيّة جعل اللّه تعالى عمارة الأرض; على عاتق هذا الإنسان حتّى يمثّل بعمله وتعميره للأرض تدبير اللّه سبحانه فقال: ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (هود: 61). وكما أنّ اللّه سبحانه ربّ البقاع والبهائم ومدبّرها; فإنّ الخليفة مسؤول عنها ومسؤول عن العناية بها أيضاً كما قال الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ: "إنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم" (2). وخلاصة هذا البعد هي، خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه في الاُمور التكوينيّة بمّا أعطي من مقدرة من جانبه سبحانه. 2ـ إنّ الإنسان يخلفه سبحانه في الاُمور الاجتماعيّة، أعني بها الاُمور الراجعة إلى القيادة والحاكميّة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1- تفسير المنار 1:260. 2- نهج البلاغة:الخطبة (165).