[344] (لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُوْرِهِ ثُمَّ تَذكُروُا نِعْمَةَ رَبَّكُمْ إذا اسْتَوَيْتُم عَلَيْهِ وتَقُوْلُوا سُبْحانَ الّذي سَخَّرَ لَنا هـذا وَمـا كُنّا لَهُ مُقْرِنِيْنَ). صحيحٌ اننا ننظرُ إلى هذه المسألة نظرةً بسيطة جرّاء اعتيادنا عليها يومياً، حيث نرى قوافل كبيرة من الابل والخيل، وحتى حيواناتِ ضخمة كالفيلة مُسَخَّرة بيد طفل صغير، واحياناً يُودَعُ عنانُ قافلة منها بيد طفل فيقودها حيث يشاء، إلاّ انَّها في الحقيقةِ ليست أمراً هيّناً، فلو كانت لدى احدها اقلُّ حالة من التمرد والمواجهة فلا يستفاد منها في الركوب ابداً بل لأَصبحت تربيتُها في بيئةِ الإنسان خطيرةً جداً. فنحن لا نستطيع أنْ نُربّي بازاً مشاجراً، وحتى قطة غاضبة ومنزعجة، فكيف نُربّي هذه الحيوانات الكبيرة القوية التي يمتلك بعضها قروناً وبعضها ذات اسنان قاطعة وفك قويٍّ، وارجل بعضها قوية وكبيرة تستخدمها للضرب والرفس، فاذا لم تكن مطيعة فكيف نستخدمها للركوب؟ ولولا التسخير الالهي حقاً لم نستفد منها أبداً (مـا كُنّا لَهُ مُقْرِنِيْن)(1). والنكتة الجديرة بالذكر أيضاً انَّ ظهرَ الأَنعامِ خُلق بحيث يكون مناسباً ومُعَدَّاً لركوب الإنسان. ومما يلفت النظر انه يذكرُ الركوبَ عليها هدفاً اولا، وذكر نِعَمِ الخالقِ يعتبره الهدف الثاني، وتعد معرفة الذات الإلهية المقدسة وتسبيحه و تقديسه هي الهدف النهائي، فذكر النِّعَمِ يَضَعُ الإنسان دائماً في طريق معرفتها، ومن ثمّ كلُ مواهب الخلق دافعٌ ومقدمة لمعرفة الله سبحانه. وذُكر هذا المعنى في الآية العاشرة والاخيرة بالاضافة إلى منافع أُخرى، وقد تمت الاشارة في هذه الآية إلى خمس فوائد اساسية للانعام، واعتبرها من آيات الله. ــــــــــــــــــــــــــــ. (1) انَّ الضمير المفرد في "ظهوره" و "عليه" و "له" يعود إلى "الانعام" لأنّ "الانعام" ـوكما قلنا سابقاًـ ذات معنىً جمعي، الا انها تلفظ مفردة، وظن بعضهم انَّ هذه الضمائر تعود إلى "ما" في "ما تركبون"، وفي هذه الحالة تشمل "الانعام" و"السفن" علماً ان "مقرنين" من مادة "إقران" وتعنى الاقتدار على الشيء، وفسَّرها بعضهم بمعنى القبض والحفظ.