(107) حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملاً كثيراً في كل منحنياتها، وتستدعي إنتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الآلهي، قال تعالى: ( وَلَقَدْ كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِّن آلطَيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاٍ * ) (1). والعلة في هذا التكريم إعتباره الخلق الأول في حياة الأرض، كما هو ظاهر القرآن، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب، والحسن بالتقويم، والابداع في التصوير. هذا الخلق الجديد ذو طابعين: طابع إعجازي لا عن مثيل، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذّكر بالبيضة المخصبة الأنثوية، لينتج ذلك كائناً ناطقاً عاقلاً مفكراً من جماد، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير، وهذا ما جلب إنتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال: والـذي حـارث الـبـريـةُ فيـهِ * حَيـَوانٌ مـسـتـحـدثٌ مـن جـمـاد (2) وكل من هذين الملحظين المهمين في تكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة. وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه الله تعالى في كتابه: ( وَإِذا قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا ____________ (1) الأسراء: 70. (2) طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء: 170.