(108) وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَ قَالَ إِنِى أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ * ) (1). هذه هي البداية بهذا الجعل التكويني المستفيض الذي لا يقبل الردّ، وهنا تنطلق قضيّتان: الأولى هذا الأستفهام من الملائكة: ( أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ آلدِمَآءَ ) ولا يمكن أن يصوّر هذا الاستفهام في طلب المعرفة وإستيضاح الحال بأنّه إعتراض على الله، لأن الإفاضات التي حصل عليها الملائكة، وهم عباد مقربّون مكرمون، لا تبيح لهم الإعتراض والأنكار، فهم أعرف بجلالة المقام الألهي، وسمو الحضرة القدسية، وقد يقال بأنهم قد أشكلوا على الله تعالى لمزيد الإفاضة عليهم، فيكون الحال مزيجاً بين الاستفسار والاسترحام والتلطف في المسألة لا على جهة الاعتراض والانكار، وهذا الإشكال على هذا النحو لا يشكّل ما لا يجوز لهم ولا يباح، لأنهم طلاب معرفة، وهم يستشكلون الأمر لأنهم يقدّسون الله ويسبحونه، فعلى هذا يكون الباعث على ذلك مجرد التعجب من وجود حالتين متقابلتين: حالة الملائكة وهم بين التسبيح والتقديس لله في السماء، وحالة البشرية في الإفساد وسفك الدماء في الأرض، فكان الجواب: إنه يعلم ما لا يعلمون، فسلّموا للأمر تسليماً. هذا الانقداح الذهني في التصور الملائكي قد يكون للشفافية التي جبلوا عليها في الخلق، فهم يتفرسون بما سيحدث لو وُجد هذا المخلوق البشري، وهو ظاهر السياق القرآني، وقد يقال: بأنّ الله خلق خلقاً قبل آدم، وقد أفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، وكأنهم قاسوا هؤلاء على أولئك، وهذا مما لم ينطق به القرآن، وهو من القياس الباطل. القضية الثانية: بعد أن خلق الله آدم حكى الله ما حدث بقوله: ( وَإِذ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لأِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبلِيسَ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ * ) (2). وهنا يظهر إمتناع إبليس من السجود، فزجره الله تعالى: ( قَالَ مَا مَنَعَكَ ____________ (1) البقرة: 30. (2) البقرة: 34.