(109) أَلاَّ تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ ) (1). فأجاب إبليس بصيغة واحدة، وأخرى، أما الصيغة الواحدة: ( أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ ) (2)، والصيغة الأخرى في سورة أخرى، فيما حكاه تعالى عنه: ( قَالَ لَم أَكُن لأسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِّن حَمَإٍ مَّسنُونٍ * ) (3). والتعليل في الإجابة واحد أن الله خلق آدم من عنصر الطين، وهو من عنصر النار، والنار في زعمه أشرف عنصراً من الطين. وهنا يتضح أن الله تعالت قدرته قد خلق آدم من طين، كما نصّ عليه: ( إِذ قَالَ رَبُكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ " 71 " ) (4). وفي هذا الضوء نجد خلق عيسى بن مريم عليه في كيفية خرق بها الله النواميس الطبيعية للكون، فكان عيسى عليه السلام كمثل آدم كما قال: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * ) (5). وهذا الخلق الاعجازي العظيم هزّ العالمين في الحديث عن قدرة الله تعالى، وقد تحدث القرآن عن بداية هذا الخلق وإرهاصات تكوينه الإبداعي، ببيان ظروفه كافة، وشرح أبعاده، فقال تعالى: ( وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِيّاً * فَاتَّخَذَت مِنْ دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لِكَ غُلاَماً زَكِياً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيّاً * ) (6). وهنا الإرهاص التوقعي أن مريم عليها السلام ستلد غلاماً زكياً، بعد أن إنتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وأتخذت لها من دونهم ستراً وحجاباً، فأرسل الله الروح الأمين جبرئيل عليه السلام متمثلاً بشراً سوياً متكاملاً، فأستعاذت به من الله تعالى إن كان تقياً، فأخبرها بأنه رسول الله ليهب لها هذا ____________ (1) (2) الأعراف: 12. (3) الحجر: 33. (4) صّ: 71. (5) آل عمران: 59. (6) مريم: 16 ـ 20.