(73) الهدف تقويم اللسان العربي عن اللحن والخطأ، للحفاظ على سلامة القرآن الأدائية. حتى إذا نشأت مدرسة الكوفة على يد أبي جعفر الرؤاسي ( ت: 148 هـ ) وتلميذه النابه علي بن حمزة الكسائي ( ت: 189 هـ ) وأشهر تلاميذ الكسائي: يحيى بن زياد الفراء ( ت: 207 هـ )، كان الاستناد إلى القرآن أكثر شيوعاً والاستدلال بشواهد من آياته أرحب مجالاً، لأن الكوفيين " يؤمنون أن القرآن جاء بلغات فصيحة، فهو أحق بالقبول، وأجدر بالأخذ، حينما تبنى قاعدة، أو يقرر حكم، أو يصحح أسلوب " (1). فكان عمل الكوفة في ظواهر الكتاب حيناً، وفي القياس النحوي حيناً آخر، وليتهم إكتفوا بالشاهد القرآني وحده، ولم يخضعو لسلطان القياس، لكان القرآن هو المرجع ليس غير. إن نشوء هاتين المدرستين في ظل العلم العراقي الفياض، كان هو الأساس لسلامة اللغة العربية، وعليه سار المتأخرون من النحاة، فكان الثروة الطائلة في كل زمان ومكان، لأن مصادر الدرس النحوي في تفتقت عنهما، وهما وحدهما موارد هذا العلم لمن أراد الإستزادة، وكان الدافع الحقيقي وراء هذه الجهود المترامية الأطراف هو الدفاع عن القرآن، وصيانة التراث من الهجمات المضادة، وإبقاء العربية علماً شامخاً في حياة اللغات. الظاهرة الثالثة: وتتجلى مظاهرها في حياة البلاغة العربية، فقد نشأت البلاغة العربية في أحضان الاعجاز القرآني، وتلألأ نجمها في قضايا البيان في القرآن، فكان الجاحظ ( ت: 255 هـ ) من أوائل من أكدوا هذا الجانب في جملة من أسراره الجمالية، فخصص كثيراً من مباحثه في " نظم القرآن " لاستيفاء كنوز العبارة القرآنية، وإستخراج ما فيها من مجاز وتشبيه بمعانيهما الواسعة، وكذلك صنع في " البيان والتبيين " فتجد المجاز إلى جنب الكناية القرآنية، ____________ (1) عبد العال سالم مكرم، القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية: 123.