( 115 ) وإلى جانب الحيطة في الاختيار، كانت الحيطة للقراءة نفسها، فلم يأخذوا بكل قراءة، بل وضعوا بعض المقاييس النقدية الاحترازية لقبول القراءة أو رفضها، مما ينصح معه مدى عناية القوم بالقراءة المختارة، بعد أن عسر الضبط، وظهر التخليط، واشتبه الأمر. قال القسطلاني نقلا عن الكواشي: " فمن ثم وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه، ومعيارا يعول عليه ؛ وهو السند والرسم والعربية، فكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ " (1). والشاذ لا يعمل به في القراءات ولا يقاس عليه، " وقد أجمع الأصوليون والفقهاء وغيرهم، على أن الشاذ ليس بقرآن، لعدم صدق حد القرآن عليه، أو شرطه وهو التواتر " (2). وكأن ابن الجزري قد أدخل جانب الاحتمال في بعض الشروط، وصنف القراءة المعتبرة والباطلة فقال: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها.. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف " (3). وتكاد أن تتلاقى كلمات الأعلام في مقياس القراءة الصحيحة، وتتداعى الخوطر. في صياغة ألفاظها، فقد اشترط مكي بن أبي طالب ( ت: 437 هـ ) في وجه صحتها ما يلي: ____________ (1) القسطلاني، لطائف الإشارات: 1 | 67. (2) المصدر نفسه: 1 | 72. (3) السيوطي، الاتقان: 1 | 210.