( 133 ) تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض، كحذف الألف من " قرءنا " بيوسف والزخرف، وإثباتها في سائر المواضع، وإثبات الألف بعد واو " سموات " في فصلت وحذفها في غيرها، وإثبات الألف في " الميعاد " مطلقا، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال، وإثبات الألف في " سراجا " حيثما وقع، وحذفه من موضع الفرقان ؟ وكيف نتوصل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض ؟ ؟ فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة في أوائل السور، فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف " (1). فهو كلام طويل عريض يشتمل على ادعاءات وافتراضات لا نوافقه عليها من عدة وجوه: الأول: أن الرسم المصحفي لم يرد فيه ولا حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يكون توقيفيا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتهجى، فكيف يتم هذا الغلو بشأنه، بادعاء أن ما كتبوه كان بأمره، وهو تجاوز على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر بما يخطأ فيه ويصاب، هجاء وإملاء مما نعتبره دون أدنى ريب خارجا عن توجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيفه، لأنه لا يحسن منه شيئا ؛ وأما ما ورد بالزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال لأحد كتبة الوحي: " الق الدواة، وحرف القلم، وأنصب الباء، وفرق السين ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك " (2). فموضوع لا أصل له، ويدل على وضعه ونحله كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميا، فما أدراه بأصول الخط ؟ وما هي معرفته بالحروف ومميزات كتابتها وهو فاقد لأصل الصنعة، وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون، وليس في ذلك انتقاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا غض من منزلته، ولكن ____________ (1) الزرقاني، مناهل العرفان: 1 | 376. (2) المصدر نفسه: 1 | 370.