@ 191 @ العقل فمن غلب من البشر عقله على هواه كان أفضل خلقه لما يقاسي من مخالفة الهوى ومكابدة النفس ومن غلب هواه على عقله كان أردأ من البهائم قال الله تبارك وتعالى { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل } فجعل بعضهم ذوي النهى وجعل منهم أعلام الدين وأئمة الهدى ومصابيح الدجى وابتلى بعضهم بما شاء من أسباب الردى كالجنون الموجب لعدم العقل والصغر والعته الموجبين لنقصانه فجعل تصرفهما غير نافذ بالحجر عليهما , ولولا ذلك لكان معاملتهما ضررا عليهما بأن يستجر من يعاملهما ما لهما باحتياله الكامل وجعل من ينظر في مالهما خاصا وعاما وأوجب عليه النظر لهما وجعل الصبا والجنون سببا للحجر عليهما كل ذلك رحمة منه ولطفا والرق ليس بسبب للحجر في الحقيقة ; لأنه مكلف محتاج كامل الرأي كالحر غير أنه وما في يده ملك المولى فلا يجوز له أن يتصرف لأجل حق المولى , والإنسان إذا منع عن التصرف في ملك الغير لا يكون محجورا عليه كالحر لا يقال : إنه محجور عليه مع أنه ممنوع عن التصرف في ملك غيره ولهذا يؤخذ العبد بإقراره بعد العتق لزوال المانع وهو حق المولى ولعدم نفوذه في الحال وتأخره إلى ما بعد الحرية جعله من المحجور عليهم . ثم هذه الأشياء توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال ; لأن الحجر في الحكميات دون الحسيات ونفوذ القول حكمي ألا ترى أنه يرد ويقبل والفعل حسي لا يمكن رده إذا وقع فلا يتصور الحجر عنه وهو المراد بقوله هو منع عن التصرف قولا لا فعلا , قال رحمه الله ( فلا يصح تصرف صبي وعبد بلا إذن ولي وسيد ) ; لأن الصبي عديم العقل إن كان غير مميز وإن كان مميزا فعقله ناقص لعدم الاعتدال وهو بالبلوغ فيحتمل فيه الضرر فلا يجوز إلا إذا أذن له الولي فيصح حينئذ لترجح جانب المصلحة فيه ومنع العبد لحق المولى , فإذا أذن له فقد زال فيتصرف بأهليته إن كان بالغا عاقلا وإن كان صغيرا فهو كالحر الصغير . قال رحمه الله ( ولا تصرف المجنون المغلوب بحال ) يعني لا يجوز تصرفه أصلا لو أجازه الولي ; لأن صحة العبارة بالتمييز وهو لا تمييز له فصار كبيع الطوطي وإن كان يجن تارة ويفيق أخرى فهو في حال إفاقته كالعاقل والمعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته , وفي رفع التكليف عنه وهو الناقص العقل , وقيل هو المدهوش من غير جنون واختلفوا في تفسيره اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل فيه هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون . قال رحمه الله ( ومن عقد منهم وهو يعقله يجيزه الولي أو يفسخه ) أي من عقد البيع والشراء من هؤلاء المحجورين وهو يعقل البيع والشراء بأن يعرف أن البيع سالب للملك والشراء جالب له ويعلم الغبن الفاحش من اليسير ويقصد به تحصيل الربح والزيادة فالولي بالخيار إن شاء أجازه وإن شاء رده ; لأنه إذا كان بهذه الصفة يحتمل