ـ(458)ـ الفكرة الثالثة: مجالات الثبات والتغيّر في الدين: من أجل أن يكون الحديث في الثابت والمتغيّر حديثاً محدد الأبعاد واضح المعالم، كنّا بحاجة إلى الحديث عن مجالات الثبات والتغيّر بشكل مفصّل، وإلاّ يبقى الحديث في العديد من جوانبه يكتنفه الغموض والإبهام، في الوقت الذي يكون عرضة لسوء الفهم من قبل بعضٍ. والذي نودّ قوله في هذا المقام أنّ الدين - بما ذكرنا لـه من تفسير متقدّم - يمكن اعتباره منظومة فكرية شاملة وواسعة، لا يمكن اختزالها في بعد واحد أو جنبة معينة من أبعاد وجوانب الحياة والمعرفة ؛ وسنتكلّم عن كلّ الأبعاد الرئيسية في الدين مع الإشارة إلى طبيعة الثبات أو التغيّر التي تحكم كلّ بُعد من الأبعاد المذكورة، وما يمكن ذكره من أبعاد رئيسية في الدين هو: أوّلاً: البعد العقيدي: إذ الدين يشتمل أول ما يشتمل على رؤية كونيّة وجوديّة تستهدف تقديم صورة جليّة عن جملة من الحقائق الوجودية، وفي مقدّمة تلك الحقائق التي يبينها الدين حقيقة الخالق والربّ المطلق، وأنّه واحد لا شريك لـه، وأنّ من صفاته العلم والحياة والقدرة، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية الوجودية التي لا يمكن أن تنفكّ ذات البارئ سبحانه وتعالى عنها. وممّا يُعنى الدين ببيانه في هذا المجال جملة من المعارف المتعلّقة ببدء عالم الخلقة، وكيفيّة صنع الله عزّ وجلّ وإتقانه لعالم التكوين، وبدء خلقة الإنسان باعتباره أشرف مخلوق خلقه الله تعالى بيده، وسخّر كلّ ما في الكون لأجله وفي خدمته. ويهتمّ الدين في هذا المجال بتعريف الإنسان بكثير من الغيبيات التي يعجز عقل وإدراك البشر عن فهمها