ـ(459)ـ والإحاطة بكنهها والاطّلاع على حقيقتها، من قبيل تعريفه بتفاصيل المستقبل الأُخروي للإنسان، واطلاعه على كنه الموجودات الأُخرى التي يعجز حسّه المباشر عن إدراكها، كالملائكة والجن والشياطين. وهذه المعارف وما شابهها هي ما يمكن أن تمثّل "البعد العقيدي" في الدين، باعتبارها تكشف عن مجموعة من المعارف التي يلزم الإنسان المؤمن الاعتقاد والتصديق بها، وجملة من هذه المعارف يكون دور الدين فيها هو دور الهداية والإرشاد لأنّ العقل الفطري المودع في الإنسان يستقلّ بإدراكها. وحينما نريد أن نبحث عن مجالات التغيّر والثبات في البعد العقيدي فإنّنا سنجد أنّ الحقيقة التي يكشف عنها الدين في المجال العقيدي تحكي عن واقع لا يقبل التغيّر في ذاته؛ فالوحدة والخالقية والرازقية والقدرة وغير ذلك من الكمالات الوجوديّة التي يثبتها الدين للخالق عزّ وجلّ غير قابلة لأنّ تُنفى عنه في وقت من الأوقات، وكذا الأمر في بقيّة الحقائق الكونية التي أشار إليها الدين. نعم ما يقبل التغيّر هو مستوى فهمنا وإدراكنا - نحن البشر - لهذه الحقائق، فعلى سبيل المثال ربّما كان بعض الأوائل يعي أنّ الله سبحانه واحد بالوحدة العددية، ولكنّنا اليوم نرى أنّه تعالى واحد بالوحدة الحقّة الحقيقية وليس واحداً عددياً، وهكذا الأمر في جملة من الحقائق الدينية التي يتغيّر فهم البشر لكنهِها، ويتبدّل وعيهم لحقيقتها في ضوء ما يستجد لهم من وعي، وما يتطور لهم من معارف وما ينفتح لهم من آفاق. وتطور الفهم الإنساني وتغيّر وعي البشر لهذه الحقائق الدينية ربّما نلمح الإشارة إليه فيما روي عن الإمام علي بن الحسين السجّاد عليه السلام من أنّه سئل عن التوحيد فقال: "إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل الله تعالى: قل هو الله أحد، والآيات من سورة الحديد إلى قوله: عليم بذات الصدور. فمن رام وراء