ـ(553)ـ وفي البخاري أيضاً عنه: "لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أنّ يكونوا أنبياء فإنّ يكن في أُمتي منهم أحد فعمر"(1). هذا النصّ وإن لم يصرّح بشكل قاطع على كون عمر من المحدّثين إلاّ أنّه يثبت أمرين: الأول: عدم التلازم بين تكليم الملائكة والنبوّة، بمعنى إمكان التكليم من دون نبوّة. الثاني: وجودهم في الأُمم السابقة وإمكان وجودهم في هذه الأُمّة أيضاً. وهذا المقدار يكفينا في المقام، فختم النبوّة لا يلزم منه بالضرورة ختم نزول الملائكة على البشر وكلمها معهم. ولقد حاول بعض شرّاح البخاري أنّ يؤول الحديث بأنّ المراد أنّه (أي عمر) من الملهمين أو من الذين يلقى في روعهم أو يظنّون فيصيبون الحق، فكأنه حدّث(2). ولكنّه تأويل لا يساعد عليه ظاهر اللفظ، بل صريح النصّ الثاني الذي زاده البخاري، حيث قال: رجال يكلّمون من غير أنّ يكونوا أنبياء، وهو قرينة على أنّ المراد من المحدّثين من تكلّمه الملائكة، وهو نفس المعنى الذي التزمنا به فيما سبق، وإلاّ، فما معنى الاحتراز بأنّهم ليسوا أنبياء سوى دفع هذه الشبهة وهي شبهة النبوّة؟ ولأجل ذلك قال القرطبي فيما حكي عنه: إنّه ليس المراد بالمحدّثين المصيبين فيما يظنّون لأنّه كثير في العلماء، بل في العوام من يقوى حدسه فتصحّ إصابته، فترتفع خصوصيّة الخبر وخصوصيّة عمر(3). _______________________________________ 1 ـ الجامع الصحيح، فضائل الصحابة، فضائل عمر 4: 200، البخاري. 2 ـ إرشاد الساري 6: 99 و 5: 431، ابن حجر ط، إحياء التراث بيروت. 3 ـ فيض القدير 4: 507، المناوي ط. دار الفكر.