ـ(554)ـ وقد وقع في المحذور المتقدّم ابن الأثير عندما قال: المحدّثون(بفتح الدّال وتشديدها) الملهَمون، والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة، وهو نوع يختصّ به الله عزّ وجلّ من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر، كأنّهم حدّثوا بشيء فقالوه(1). وواضح أنّه حمل المحدّث على المعنى المجازي وجعله من باب التشبيه، ونحن وإن كنّا لا نمنع إمكان الاستعمال المجازي فيما ذكر، إلاّ أنّه لا يمكن حمله عليه من دون قرينة، كما هو الحال في كلّ الاستعمالات المجازية. ولعلّه إنّما ارتكب ذلك اعتقاداً منه باستحالة نزول الملائكة على غير الأنبياء وتحدّثهم معهم، وهو أمر يثبت عكسه القرآن الكريم، والسنّة المطهّرة المستفيضة الواردة من طرقنا، وخصوص النصّ الثاني للبخاري. 2 ـ ممّن ادّعي أنّ الملائكة تحدّثهم عمران بن الحصين الخزاعي، قالوا: إنّه كانت الملائكة تسلّم عليه حتّى اكتوى بالنار، فلم يسمعهم عاماً ثمّ أكرمه الله بردّ ذلك(2). فإنّ قيل: إنّ مجرّد التسليم لا بأس به، وإنّما المشكلة في التحديث بالأخبار والمغيبات وأمثال ذلك، فإنّه يجاب بأنّ النزول لأجل التسليم يدفع استحالة نزول الملائكة للتحدّث بغيره، وإذا أمكن أنّ تسلم الملائكة على أحدٍ أمكن غيره، ونحن في مقام إثبات الإمكان مقابل دعوى الاستحالة. 3 ـ ومنهم أبو المعالي الصالح المتوفى سنة(427 هـ) رووا أنّه كلّمته الملائكة في صورة طائر(3). _______________________________________ 1 ـ النهاية: مادّة حديث، ابن الأثير. 2 ـ الطبقات الكبرى 4: 288 - 289، 7: 11، ابن سعد، المعجم الكبير 8: 107، الطبراني. 3 ـ المنتظم 17: 82، ابن الجوزي، صفوة الصفوة 2: 250.