وإذن، فقد حدثت النهضة العلمية في الإسلام، عقب النهضة العقائدية والإيمانية وعلى أثرها، وراجت العلوم العادية بين المسلمين تقريباً في النصف الثاني من القرن الثاني. ومع أن منشأ التوجه لهذه العلوم كان هو القرآن والإيمان، ولكن مع الأسف لم يستنبط المسلمون القوانين والمسائل العلمية من القرآن، ولم يباشروا هذا الأمر مستقلين، بل اعتمدوا مباشرة على الذخائر العلمية والآثار المدونة لسائر الأمم، وخصوصاً الآثار اليونانية. وتقريباً فقد شغلوا قرابة قرنين (من منتصف القرن الثاني إلى أواخر القرن الرابع) بترجمة وجمع العلوم اليونانية والهندية والإيرانية والنبطية والرومية وغيرها، وترجموا القسم الأعظم لعلوم هذه الأمم إلى العربية. وحينئذ فقد شرعوا بالابتكار بالاستنارة بالمنطق القرآني والتجربة العلمية المكتسبة من الآخرين. ونرى، على خلاف ما يرى البعض، أن تعرف المسلمين على العلوم الأجنبية (العلوم الدخيلة) لم يكن مبدأ ومنشأ انحرافهم عن الفلسفة والمنطق القرآني، بل نعتقد أن هذا الأمر نفسه نابع عن التعاليم القرآنية ومنبعث عنها. على انه في العصور التي تلت ذلك فإن هذا السير العلمي كان عُرضة للتصاعد والتنازل، وأحياناً للانحراف عن طريقة التفكر القرآني الخالص، وقد قام بعض العلماء والمفكرين المسلمين، في مباني الفلسفة، وحتى في الإلهيات، بتبين كامل للفلسفة والمنطق اليوناني أو العرفاني، والتصوف الهندي، ونسوا وتناسوا الأصالة واللون الخاص للفلسفة القرآنية، أو مزجوا وخلطوا بينهما حيث ظهرت في ميدان العلم البشري، فلسفة وعرفان مزدوجان، ومن الفكر البشري والوحي السماوي كان، على أي حال، ذا قيمة وذا لون قرآني محدود.