وبشكل قاطع فإن توجه المسلمين إلى العلوم الأجنبية، كان في البداية منبعثاً عن حب الاستطلاع الذي أيقظه القرآن والتعاليم الإسلامية، وكان محور تفكير العلماء في الغالب هو تطابق مبنى هذه العلوم مع الفلسفة القرآنية، ومن ثم السعي لفهم أسرار الوجود وجهاز الخلق، وكان العلماء المسلمون يعتبرون مسيرهم في هذا الطريق نابعاً عن القرآن ونتيجة طبيعية لتشربهم الأصول القرآنية. ولكن إلى أي مدى كانت النهضة العلمية في الإسلام ذات لون إسلامي؟ وهل كانت تعكس تماماً الهوية الإسلامية؟ وماذا أفاد المسلمون من هذه النهضة؟ وما هي علل الانحراف عن الطريق الصحيح؟ الطريق الذي طوي بعد القرون الوسطى على يد علماء الغرب وأثمر بمساعيهم، هذا كلّه مسألة شائكة ومعقدة تستدعي دراسة مفصلة ومستفيضة لايتسع لها هذا البحث. الاستنفار العام في طريق التفكر وكسب العلم: لقد استنفر القرآن الأفكار، بعد سوق النفوس إلى فلسفة الخلقة، وتوطيد قاعدة الإيمان والاصلاحات الاساسية، ووظفها للتعلم والبحث الأكثر والأفضل. وقد رغّب الناس تدريجياً بالتفكر والتعقل وذمّ الجهل والحماقة ولقد عدّ الناس الجهال وغير المتعلمين صماً وبُكماً وعمياً وفي سياق الأنعام. ولقد جاءت في جميع القرآن، كلمات من قبيل: العقل والتدبّر والاستنباط واللبّ، بأسلوب مؤثر ومؤكد، وبأعداد جمة، وكذلك ألفاظ نقائضها من قبيل: الجهل والعمى. وأغلب آيات التوحيد والمعاد، وبإيجاز ماهو متعلق بإصلاح العقيدة، وأحياناً الآيات المرتبطة بالأخلاق والاحكام، كلها تأمر بالتفكر والتذكر. يقول القرآن على سبيل التعجب: