الغطاء في مقدّمة كتابه (تحرير المجلة)([662]) أي: مجلة العدل، قال رحمه الله: «إن مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحّض في المالية تمحَّض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو: حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوّم بها معايشهم، وتسدّ بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً: الحبوب والأطعمة مال; لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنى وصفيّاً عرضيّاً يُعبَّر عنه بـ(المال) وهو: من المقولات الثانوية باصطلاح الحكيم([663]). ولمّا كانت مدنيّة الإنسان لا تنمّ إلاّ بالحياة المشتركة وهي تحتاج إلى المقابضة والتبادل في الأعيان والمنافع وكان التقابض بتلك الأعيان ـ وهي العروض ـ مما لا ينضبط أرادوا جعل معيار يُرجَع إليه في المعاملات، ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسيّة، فاختاروا الذهب والفضة، وضُربت سكة السلطان عليها لمزيد من الاعتبار في أن يكون عليهما المدار، فماليتهما أمر اعتباريّ محض، لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرها من حيث الذات والحقيقة; ولذا في هذه العصور حاولتْ بعض الدول قلب الاعتبار إلى الورق، ولكن مع الاعتماد عليهما. ومهما يكن الأمر فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً فكذلك اعتبروا ذمّة الرجل العاقل الرشيد مالاً، ولكن مع الالتزام والتعهّد، فإذا التزم الثقة الأمين بمال في ذمّته وَثقتَ به وجَعلتَه كمال في يدك أو صندوقك، وكذا العقلاء: يعتبرون أنّ لك مالاً عنده، أمّا من لا عهدة له ولا