ضعف المسلمين في الأندلس أمام أعدائهم، حيث خسروا كثيراً من البلاد، وأشرفوا على السقوط والخروج عن تلك «الجنّة المفقودة» عن آخرها ـ كما حدث بعد قرنين ـ فاتجه إلى الوفاق والسماح الفقهي حذراً من الفشل الناشيء من الاختلاف بين الفقهاء كما بين الأمراء. بداية المجتهد ونهاية المقتصد هذا الاسم المتواضع مطابق للمسمى تماماً، يضع الكتاب في محله بلا زيادة ولا نقصان، فإن الكتاب بحق للمجتهد المتضلع بداية السير وللطالب المبتدي المقتصد نهاية المطاف، فهو وسط بين التوسعة والتقصير، كما أنه وسط بين القواعد المنطوق بها والمسكوت عنها ـ حسب ما يصرح به ابن رشد ـ وفيه تواضع آخر حيث أنه ألَّف الكتاب تذكرة لنفسه فيقول: «إن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها، والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نقاط الخلاف فيها ما يجري مجرى الأصول والقواعد، لما عسى أن يرد على المجتهدين من المسائل المسكوت عنها في الشرع، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع، أو تعلق بالمنطوق به تعلقاً قريباً، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها، بين الفقهاء الإسلاميين، من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد»([692]). هذه السطور التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد، تحدثنا بسهولة عن دقائق فنية لا ينالها إلاّ فقيه متضلع جرَّب الفقه عن بصيرة وخبرة ومارس الاجتهاد