يجوز على وجه البداء، وهو أن يأمر الله عز وجل عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره أن يغيّره هو ويبدّله وينسخه، لأنه عندهم لا يعلم الشيء حتى يكون; إلاّ ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ مانزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة». ويلاحظ أنّ البلخي كان قاسياً في كلامه، لكن الشيخ الطوسي يجيبه بهدوء علمي تام فيقول: «وأظن أنه عنى بهذا أصحابنا الإمامية، لانه ليس في الأمّة من يقول بالنص على الأئمة (عليهم السلام) سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم. لانهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة (عليهم السلام)، ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم، وإنما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة ـ كالنظام والجاحظ وغيرهما ـ وذلك باطل، وكذلك لا يقولون: أن المتأخر ينسخ المتقدم إلاّ بالشرط الذي يقوله جميع من أجاز النسخ، وهو أن يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن الجمع بينهما، وأما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم»([711]). وفي الفقه ترك لنا الشيخ الطوسي أسفاراً قيّمة، منها كتاب «الخلاف»، وفيه نقل آراء كل الفقهاء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب حتى عصره. ويعلق على هذه الآراء بقوله تارة: هذا موافق لمذهبنا، وتارة: هذا مخالف لمذهبنا.. كل ذلك بالدليل والبرهان من دون الهجو من القول. كما كتب «المبسوط» ليكون دورة كاملة في الفقه الاستدلالي التفريعي. وهو أوّل كتاب من نوعه لدى الشيعة. فقد كانت كتب الفقه الشيعية قبل هذا الكتاب