ويتواصل هذا التوجه التقريبي عبر القرون فيلقانا في القرن السابع المحقق الحلي، والعلاّمة الحلّي. وأقف عند العلاّمة الحلّي فهو من أكبر العلماء في تاريخ الإسلام. وأذكر كتابيه: «المنتهى» و«التذكرة». وفي الكتابين يعرض المسائل استناداً إلى المصادر الفقهية في العالم الإسلامي. يطرح المسألة ويذكر دليلها من علماء اهل السنّة، ثم يذكر دليلها من روايات الشيعة. ويعترض أحياناً على الدليل بأسلوب علمي هاديء رصين. ويذكر أن العلاّمة الحلّي كان بين أساتذته وتلاميذه علماء من أهل السنّة. وفي العصر الحديث أيضاً حمل راية البعث الإسلامي رجل تقريبي هو السيد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بالأفغاني. هذا الرجل رغم نشأته الشيعية ودراساته الشيعية يسلك ما يوهم أنه «كان حنفيّاً حنيفاً ومجتهداً» كما يقول عنه تلميذه الإمام محمد عبده. دعا المسلمين سنة وشيعة إلى الحركة واليقظة والوحدة ونبذ التفرقة، فكانت دعوته بداية عصر جديد دخل فيه العالم الإسلامي بعد سباته الطويل. أخلص إلى القول أن التقريب كان نهج كل المخلصين لدينهم وأمتهم، وما شهده التاريخ في العهود الإسلامية الغابرة والعصر الحديث من اختلاف وتفرّق وتمزّق إنما كان بسبب مصالح الحكم والسياسة، وبسبب انحراف الحاكمين عن النهج الإسلامي. إن عصر الصحوة الإسلامية يحمل بطبيعته بشائر وحدة الأمّة بجميع مذاهبها في إطار رسالي متطلع إلى مستقبل إسلامي أفضل لأمّتنا، وما ذلك على الله بعزيز.