[ 159 ] رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر الى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله (ص): كيف أصبحت يا فلان ؟ - قال: أصبحت يا رسول الله (ص) موقنا، فعجب رسول الله (ص) من قوله وقال: ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ - فقال: ان يقيني يا رسول الله (ص) هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر الى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر الى أهل - الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الارائك متكؤون، وكأني أنظر الى اهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الان أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال ________________________________________ = الذي اشير به في الحديث انما يحصل بزيادة الايمان وشدة اليقين فانهما تنتهيان بصاحبهما الى ان يطلع على حقائق الاشياء محسوساتها ومعقولاتها فينكشف لحجبها واستارها فيعرفها بعين اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب وشائبة شك فيطمئن لها قلبه ويستريح بها روحه هذ هي الحكمة الحقيقية التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا واليه اشار أمير المؤمنين (ع) بقوله: هجم بهم العلم على حقائق الامور، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى، اراد (ع) بما استوعره المترفون يعني المتنعمون رفض الشهوات البدنية وقطع التعلقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز عما لا يعني ونحو ذلك وانما يتيسر ذلك بالتجافي عن دار الغرور والترقي الى عالم النور والانس بالله والوحشة مما سواه وصيرورة الهموم جميعا هما واحدا وذلك لان القلب مستعد لان يتجلى فيه حقيقة الحق في الاشياء كلها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به الى يوم القيامة وانما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهره أو كدورات تراكمت عليه من كثرة الشهوات أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب، والى بعض هذه الحجب اشير في الحديث النبوي: لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا الى ملكوت السماء ". (*) ________________________________________