[ 86 ] فانظر رحمك الله الى حسن هذا الحديث وما دل عليه من الفوائد وقد ذكر ان الصبر والقناعة والرضا والزهد والاخلاص واليقين امور متشعبة (منشعبة) عن التوكل وكفى بهذا مدحا للتوكل، ثم ذكر في حد التوكل بان المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع واستعمال اليأس من الناس فهذه خمس دعائم للتوكل اربعة علمية وواحدة عملية (1) ولاقوام للاربعة بدون الخامس بل هو ملاكها، وعنده تظهر ثمرتها وتحمد جناها ومن هذا يعلم انه لاقوام للعلم بدون العمل، وانه لا يزكو ولا ينتفع به صاحبه ما لم يعمل به وهذا ظاهر، فان من اشتكى وجع ضرسه وهو يعلم ان الحامض يضره ثم اكل حامضا فانه يوجعه ضرسه قطعا ولم يكن علمه بذلك نافعا له حيث ترك العمل به. ثم انظر الى النتيجة الحاصلة من الدعائم في قوله صلى الله عليه واله: فإذا كان ا لعبد كذلك لم يعمل لاحد سوى الله ولم يزغ قلبه الخ وهو ثلاثة امور: الاول الاخلاص لانه إذا تحقق كون المخلوق لا يضر ولا ينفع لم يعمل له ولم يطلب المنزلة في قلبه، فانحسم (2) عنه داعية الريا فلم يزغ قلبه وبقى مستقيما باخلاصه وايقاعه لعبادته على وجهها اللايق بها. الثاني العزة بتمام الغنى عن الناس في قطع الطمع منهم لان من تحقق ان لا معطى من الخلق لم يرجه واعتمد برجائه على ربه لانه المعطى لاغيره. الثالث نيل الامن وعدم الخوف من ساير المخلوقات، وعامة الموذيات ولهذا كان المخلصون والعباد والسياح يمرون على السباع غير مكترثين (3) بها فان من تيقن ان المخلوق لا يضر لم يخف منه وكان اعتقاده في السبع كاعتقاده في البقيه. وحدث أبو حازم عبد الغفار بن الحسن قال: قدم ابراهيم بن ادهم الكوفة وانا معه ________________________________________ (1) العلمية منها هو العلم بان المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يعطى، ولا يمنع، والعملية عبارة عن استعمال اليأس من الناس. (2) حسمه حسما: قطعه (المجمع). (3) لا يكترث لهذا الامر أي لايعبا به ولا يباليه (المجمع) (*). ________________________________________