[102] اختلفوا في أنه لما صارت الجبال سببا لسكون الارض على أقوال، وذكروا لذلك وجوها ولنذكر بعضها: الاول: ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره: أن السفينة إذا القيت على وجه الماء فإنها تميل (1) من جانب إلى جانب وتضطرب فإذا وقعت الاجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله تعالى الارض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال ووتدها بها فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال. ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه: الاول أن هذا المعلل إما أن يقول بأن حركات الاجسام بطباعها أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها، فعلى التقدير الاول نقول: لاشك أن الارض أثقل من الماء، والاثقل يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه فامتنع أن يقال: إنها كانت تميد وتضطرب بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات غير مملوءة (2) فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا ارسيت بالاجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق. وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال ليس للارض والماء طبائع توجب الثقل والرسوب، والارض إنما تنزل لان الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك، وإنما صار الماء محيطا بالارض لمجرد إجراء العادة ليس ههنا طبيعة للارض ولا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التقدير علة سكون الارض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة، فيفسد القول بأن الله تعالى خلق الجبال لتبقى الارض، ساكنة فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين. الاشكال الثاني: أن إرساء الارض بالجبال إنما يعقل لاجل أن تبقى الارض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب، وهذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الارض على وجهه واقفا. فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز ________________________________________ (1) في المصدر: تميد. (2) في المصدر: مملوة من الهواء. ________________________________________