[191] تاهوا تيها بعيدا، إن الله تبارك وتعالى، لا يقبل إلا العمل الصالح، ولا يقبل الله إلا الوفاء بالشروط والعهود، فمن وفى لله عزوجل بشرطه، واستعمل ما وصف في عهده، نال ما عنده، واستعمل عهده. إن الله تبارك وتعالى أخبر العباد بطريق الهدى، وشرع لهم فيها المنار وأخبرهم كيف يسلكون فقال: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (1) " وقال: " إنما يتقبل الله من المتقين (2) " إلى آخر الخبر، فالشروط والعهود هي التوبة، والايمان والاعمال الصالحة، والاهتداء بالائمة عليهم السلام. " فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا، ولا أهوال الاخرة " قيل: المراد بأهوال الدنيا: القحط والطاعون وأمثالهما في الحياة، وما يراه عند الموت من سكراته وأهواله، وأهوال الاخرة ما بعد الموت إلى دخول الجنة، وقيل: المراد بأهوال الدنيا: الهموم من فوات نعيمها، لان الدنيا ونعيمها لم تخطر بباله، فكيف الهموم من فواتها، أو المراد أعم منها ومن عقوباتها ومكارهها ومصائبها، لانها عنده نعمة مرغوبة لا أهوال مكروهة، أو لانها لا تصيبه لاجل المعصية، فلا ينافي إصابتها لرفع الدرجة، ولا يخفى بعد تلك الوجوه. والاظهر عندي أن المراد بأهوال الدنيا ارتكاب الذنوب والمعاصي، لانها عنده من أعظم المصائب والاهوال، بقرينة ما سيأتي في الشق المقابل له، ويحتمل أن يكون إطلاق الاهوال عليها على مجاز المشاكلة. " وذلك ممن يشفع " على بناء المعلوم، أي يشفع للمؤمنين من المذنبين " ولا يشفع له " على بناء المجهول، أي إنه لا يحتاج إلى الشفاعة، لانه من المقربين الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون، وإنما الشفاعة لاهل المعاصي. " كخامة الزرع " قال في النهاية: فيه مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح: هي الطاقة الغضة اللينة من الزرع، وألفها منقلبة عن واو. انتهى ________________________________________ (1) طه: 82. (2) المائدة: 27 ________________________________________