[92] كقوله سبحانه (فصيام ثلثة أيام في الحج) (1) وأمثاله، والاصل عدم النقل والتجوز والتخصيص، وليلة الصيام معلوم أن التقييد فيه ليس لتخصيص معنى ________________________________________ ومعنى قوله عزوجل (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) الخ أن الليل الذى جعله الله سباتا وسكنا بجعله مظلما، يختتم بطلوع الفجر إذا تبين لكم من نوره وشعاعه الخيط الابيض من الخيط الاسود، فحينئذ يقع كمال الابصار ويفتتح النهار كما أشار إليه بقوله عزوجل (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله). وأما ما قيل من أنه شبه بياض الفجر بالخيط، لان القدر الذى يحرم الافطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد، ولا اعتبار بالانتشار أو قيل: شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الافق وما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الابيض بقوله (من الفجر) عن بيان الخيط الاسود، لدلالته على كونه من الليل وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. ففيه أن الفجر الثاني على ما أجمع عليه أهل الاسلام واعتبروه ميقاتا لحرمة الاكل والشرب في شهر رمضان، له من العظمة والبهاء والنباهة ما يرفعه أن يتشابه بالخيط الابيض التافه على ما فيه من الدقة والبياض الذى لا يؤبه به، فلا تشابه ولا تجانس بينها من حيث الحسن والبهاء وعظمة النور حتى يشبه أحدهما بالاخر، ولو جاز التشبيه بينهما كان الفجر هو المشبه به لكون وجه الشبه فيه أقوى وأجلى وهو به أعرف وأشهر، لا أن يشبه الفجر في حسنه وبهائه ونوره وسطوعه وانتشار ضيائه بالخيط الابيض، وهذا واضح لمن له أدنى دربة بأساليب الكلام. هذا كله في الخيط الابيض، وأما الخيط الاسود، فالامر فيه أوهن وأفظع حيث لا يرى في الافق شئ يشبه بالخيط الاسود، لان أطباق السماء وأعنانها مملوء حينئذ ظلمة مطبقة، والغبش الذى يتوهم فوق الفجر المعترض، فمع أنه لا يشبه الخيط من حيث الدقة والعرض ليس تشبيهه بالخيط الاسود اولى من تشبيهه بالخيط الابيض لكونه ضياء مختلطا بالظلام ونسبته إلى البياض والسواد سيان. (1) البقرة 196، المائدة: 89، وفى سورة مريم: 36: (انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا). (*) ________________________________________