[93] الليلة من سائر معانيها بل لمعنى الليلة التي يصبح منها صائما. وأما (ثم) في قوله تعالى: (ثم أتموا) فمعلوم أنه ليس للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبى إشارة إلى بعد ما بين حكم الليل من الاباحة، وحكم النهار من وجوب الامساك، وهذا الاطلاق شايع في القرآن، (وأتموا الصيام) معناه افعلوه تاما كقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) (1). ويمكن أن يقال: لما أمر الله تعالى سابقا بالصيام وأشار إليه بقوله (ليلة الصيام) لم يكن يحتاج إلى الامر بالصوم ثانيا، فلذا أمرهم بالاتمام وعدم النقص لا أصل الصيام، أو يقال: لما جوز لهم الجماع بالليل بعد التحريم، وكان مظنة أن يتوهم أن بهذا الفعل يحصل نقص في الصوم، قال: (ثم أتموا الصيام) إيماء إلى أن هذا الصوم تام لكم كما ورد في قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) (2). وهذان وجهان وجيهان، لم أر من تعرض لهما ولا يخفى أن ارتكاب هذين التجوزين الشايعين اللذين وردت أمثالهما في الكتاب العزيز كثيرا، مع اشتمالهما على نكات بديعة توجب حسن الكلام وبلاغته، خير من حمل اليوم والليلة على المجاز، وارتكاب النقل. ولقد أبدع من استدل بها على أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس غير داخل في النهار: حيث قال: حقيقة استعمال لفظة (ثم) التراخي وظاهر الاتمام أن يكون بعد حصول بعض الشئ، ولابد أن يجعل للنهاية المذكورة في الاية مبدء تدل القرينة عليه، والاقرب أن يكون المبدء المنوي في الكلام أول النهار حتى يكون الكلام في قوة أن يقال: ثم أتموا الصيام في زمان مبتدء من أول ________________________________________ (1 - 2) البقرة: 196، والذى ظهر لى أن الفرق بين الاتمام والاكمال أن الاتمام يعتبر من حيث الامتداد بأن يداوم على الفعل حتى يتم، بحيث إذا أخل بالمداومة والاستمرار لاخل بالمقصود ولحقه النقصان، بخلاف الاكمال فانه يعتبر من حيث النتيجة، ولو بدفعات متناوبة، ولذلك قال عزوجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقال في مورد القضاء (ولتكملوا العدة). ________________________________________