[ 67 ] فكريا مفضل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للارب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، (1) والمنافذ لتنفيذ الفضول، (2) والاوعية لحملها، والفرج لاقامة النسل، وكذلك جميع الاعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة. قال المفضل: فقلت: يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة، فقال: سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الافعال، أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق ؟ فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الافعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه الجارية على ما أجراها عليه. ايضاح: قوله عليه السلام: فما يمنعهم ؟ لعل المراد أنهم إذا قالوا بذلك فقد أثبتوا الصانع فلم يسمونه بالطبيعة وهي ليست بذات علم وإرادة وقدرة ؟. قوله عليه السلام: علم أن هذا الفعل أي ظاهر بطلان هذا الزعم، والذي صار سببا لذهولهم أن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الاشياء بأسبابها فذهبوا إلى استقلال تلك الاسباب في ذلك، وبعبارة أخرى أن سنة الله وعادته قد جرت لحكم كثيرة أن تكون الاشياء بحسب بادئ النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم يعلم بعد الاعتبار والتفكر أن الكل مستند إلى قدرته و تأثيره تعالى، وإنما هذه الاشياء وسائل وشرائط لذلك، فلذا تحيروا في الصانع تعالى، فالضمير المنصوب في قوله: أجراها راجع إلى السنة، وضمير " عليه " راجع إلى الموصول. فكريا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير ________________________________________ (1) التخليص: التصفية والتمييز عن غيره، وذلك لان الكبد يحيل الكيلوس إلى الخلط، و يصفى الاخلاط كل واحد عن الاخر، وينفذها إلى البدن، كلها في مجارى مهيأة له. (2) أي لاخراج الفضول. ________________________________________