[ 68 ] إلى المعدة فتطبخه، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما، وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك، بمنزلة المجاري التي تهيؤ للماء حتى يطرد في الارض كلها، و ينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد اعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن، و وضع هذه الاعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الاوعية فيه لتحمل تلك الفضول، لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير، وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. قال المفضل: فقلت: صف نشؤ (1) الابدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام: أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الاحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمي بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره أو يستوفي مدته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة ؟. يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم، فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا، ليستقبل الاشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الاربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال. ________________________________________ (1) بالنون المفتوحة والشين الساكنة ثم الهمزة. أو بالنون والشين المضمومتين والواو الساكنة ثم الهمزة. ________________________________________