[140] وإنما اقدم كأن الامر لا يدور إلا بينه وبين ابي بكر كأمر ثابت لاشك فيه. وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها، ولم تكن منه إلا لانه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين. ولذلك لم نجد معارضة من القوم، بل الاوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد ان قالت ما قالت كما تقدم في البحث (3). ثم تبعهم جميع الانصار ما عدا سعدا ومن كان شديد التعصب له كأبنه قيس والحباب. ولا شك ان للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم، أو تيار الكهرباء في سلكه، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم إليها، كأنما تفوت دونها الفرصة، فأقبلوا من كل جانب يبايعون ابا بكر، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الانصار كلهم، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميرا على جميع المسلمين، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع، فحمل إلى داره صفر اليدين. وهذا ألطف شئ في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في اعماله وآرائه وشدة نزقه، فانه لا يعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها، وهو مع ذلك كثير النسيان لاحواله السابقة. ________________________________________