[139] الحذاقة واللباقة، فان لبعض الالفاظ والجمل سلطانا لا يضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل. الفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعا أمام الجمهور، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة سحرية، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق اشلاءها وتقودها إلى حيث يريد المتكلم راضية قانعة (1). ويظهر ان عمر ايضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرون فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم، فأقدم على بيعة ابي بكر - كما رأيناه - غير متردد ولا متخوف ولا مستشير، ومد يده مسرعا. وإلا فان الامر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت: باقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس انه صاحبه المنحاز إليه في وقت هو احد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لاعظم أمة، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد (2). ________________________________________ (1) راجع كتاب " روح الاجتماع " المعرب لغستاف لبون ص 113. (2) على انه قال بعد ذلك في خلافته: " فمن بايع اميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا " راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث 2323. ________________________________________