@ 350 @ في ندائه ، ولا من داع ، ولا من متداع : ( ( هلموا إلى الطريق هلموا ) ) قال : فلا يجيبه أحد ، ولا يرجع إلى الطريق أحد . .
( ( وأعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس ، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك ، تركوا المحجة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ، لينفذوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي ، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ، ويفتي به . وقد رأينا منهم جماعة على هذا ، من قضاتهم وفقهائهم . ولقد أخبرني الملك الظاهرة غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام - فنادي بملوك وقال : حئني بالحرمدان : فقلت ما شأن الحرمدان ؟ قال أنت تنكر على ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم ، وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ذلك كله منكر ، ولكن والله يا سيدي ، ما منه منكر إلا بفتيا فقيه وخط يده عندي بجواز ذلك ، فعليهم لغنة الله . ولقد أفتاني فقيه ، هو فلان - وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف - بأنه لا يجب على صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب على شهر في السنة ، والاختيار لي فيه أي شهر السنة . قال السلطان : فلعنته في باطني ، ولم أظهر له ذلك - وهو فلان ، فسماه لي - رحم الله جمعيهم . .
( ( فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال ، وجعل له سلطانا فيها ، فإذا رأى أن الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه لا يرضي عند الله ، زين له سوء عمله بتأويل غريب ، يمهد له فيه وجها يحسنه في نظره ، ويقول له : إن الصدر الأول قد دانوا الله بالرأي وقاس العلماء في الأحكام ، واستنبطوا العلل للأشياء ، فطردوها ، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص عليه ، للعلة الجامعة بينهما ، والعلة من استنباطه ، فإذا مهد له هذا السبيل ، جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله في كل ماله أو لسلطانه فيه هو نفس ، ويرد الأحاديث النبوية ويقول : لو أن هذا الحديث يكون صحيحاً ، وإن كان صحيحاً يقول : لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو ناسخ له ، لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعياً - أو قال به أبو حنيفة - إن كان الرجل حنفيا - وهكذا قول أتباع هؤلاء