@ 364 @ وقوة الفكر ، ما سيبر به أغوار كلامهم ، ويمحص به حججهم وبراهينهم ليقبل ما يقبل عن بية ، ويترك ما يترك عن بينه ، وهذا ولا شك أجبن ممن تحمل ثقل التقليد ، على ما فيه ، وربما تنبع في عقله خواطر ترشده إلى البصيرة ، أو تلمع في ذهنه بوارق من الاستدلال لو مشى في نورها لاهتدى وخرج من الحيرة . وأما المستهزئ فهو أقل احتمالاً من المقلد فإن الهوى الذي يعرض لفكرة إنما يأتيه من عدم صبره وثباته على الأمور ، وعدم التأمل فيها . والحاصل أن الفكر الصحيح يوجد بالشجاعة ، وهي ها هنا التي يسميها بعض الكتاب العصريين ( ( الشجاعة الأدبية ) ) وهي قسمان : شجاعة في رفع القيد الذي هو التقليد الأعمى ؛ وشجاعة في وضع القيد ، الذي هو الميزان الذي لا ينبغي أن يقر رأى ولا فكر إلا بعد ما يوزن به ، ويظهر رحجانه ، وبهذا يكون الإنسان عبداً للحق وحده وهذه الطريقة طريقة معرفة الشيء بدليله وبرهانه ، ما جاءتنا من علم المنطبق ، وإنما هي طريقة القرآن الكريم الذي ما قرر شيئاً إلا واستدل عليه ، وأرشد متبعيه إلا الاستدلال وإنما المنطق آله لضبط الاستدلال ، كما أن النحو آله لضبط الألفاظ في الإعراب والبناء ) ) . انتهى * * * .
29 - بيان أنن من المصالح هذه المذاهب المدونة وفوائد مهمة من أصل التخريج على كلام الفقهاء وغير ذلك .
قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة : ( ( ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام ، وزلت الأقدام . وطغت الأقلام ، منها : أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة ، أو من يعتد به منها ؛ على جواز تقليدها إلى يومنا هذا ، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفي ، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً ، وأشربت النفوس الهوى وأعجب كل ذي رأى برأيه ، فما ذهب إليه ابن حزم