ـ(215)ـ
وخرج الأحنف من مرو الشاهجان مستخلفاً عليها حارثة بن النعمان الباهلي، بعدما لحقت به امداد أهل الكوفة، وتوجه نحو مرو الروذ، فبلغ ذلك يزد جرد فتركها للأحنف، وتوجه إلى بلخ، وما جاءت الإمداد من خاقان إلى يزدجرد إلاّ بعد أن عبر النهر منهزماً، وكتب الأحنف إلى عمر بن الخطاب بالفتح .
وكان الأحنف قائداً لعشرين ألف من المقاتلين ولكن عددهم كان قليلاً قياساً إلى أعدائهم، فخطب الأحنف أصحابه قائلاً: انكم قليل، وأن عدوكم كثير، فلا يهولنكم، فـ[... كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين](1).
وجمع له أهل طخارستان فاجتمع أهل الجوزجان والطالقان والغارياب ومن حولهم، فبلغوا ثلاثين ألفاً، وجاءتهم إمدادات من الجانب الشرقي لنهر صبحيون، فحمل ملك الصغانيان على الأحنف، فانتزع الأحنف الرمح من يده، وقاتل قتالاً شديداً، فنصر الله المسلمين.
وللأحنف رضي الله عنه (2). حكم قيمة كثيرة وهي تعبر عن فكرة وقاد، وقريحة صافية، وخبرة وافرة، وقلما نجد في تاريخ الفكر والفلسفة من يضاهيه في الحكمة أو يتفوق عليه [.. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً...] (3).
وعن هشام بن عقبة أخي ذي الرمة الشاعر قال: شهدت الأحنف بن قيس، وقد جاء إلى قوم في دم، فتكلم فيه وقال: احتكموا قالوا: نحتكم ديتين، قال: ذاك لكم.
فلما سكتوا، قال: أنا أعطيكم ما سألتم فاسمعوا: أن الله قضى بدية واحدة،
______________________
1 ـ البقرة: 249 .
2 ـ وجاء في دائرة المعارف الإسلاميّة 1: 506 كان من انشط القواد وأكثرهم جدا وهو الذي فتح كوهستان وهرات، ومروة، ومرو الروذ، وغير ذلك وسمي حصن بقرب مرو الروذ مدة طويلة بـ (قصر الاحنف). تمجيدا له كما سمي موضع قرب الحصن رستاق الأحنف، وقد قاد جيوشه في طخارستان وهي بلاد وعرة المسالك .
3 ـ البقرة: 269.