ـ(66)ـ
مسقط رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
ولد النبي (صلى الله عليه وآله) في مدينة مكة من أعرق الأسر وأشراف القبائل، أي من بني هاشم من قبيلة قريش، وكان أجداده من سدنة بيت الله وموضع احترام أهل مكة بل كل العرب، وقد أمضى النبي صلى الله عليه وآله أربعين عاما من عمره الشريف (قبل البعثة) في مكة معروفا بأمانته وحسن سيرته. وطوال هذه المدة لم يقرأ كتابا ولم يكتب خطاً واحداً ولم يتصل بالعلماء والقادة الدينيين ولم يسجد لصنم ولم يتبع الدين الذي كان يتعبد به قومه.
في مثل هذا البيئة، وعلى مثل هذه الشخصية نزل القرآن الكريم قبل أكثر من ألف واربعمائه عام. ويبدو أن يد التقدير هيأت العرب لقبول القرآن والإسلام وفهمه، وهكذا أصبح مقدراً أن يبعث آخر الأنبياء وينزل آخر الكتب السماوية على هؤلاء القوم وبلغتهم وفي قلب صحراء الجزيرة الحارقة.
لقد هيأ استعداد العرب لغوياً وفكرياً لبساطة أذهانهم وجهلهم بالعلوم واستعدادهم لا دراك المعارف الإلهية ونقلها إلى الشعوب الأخرى دون أن تختلط بالأفكار والفلسفات البشرية، إضافة إلى روح الشجاعة والحرية والاستقلال والالتزام بالمواثيق والسخاء والتضحية والكثير من الفضائل الأخرى، كل ذلك هيأ الأرضية اللازمة لتأسيس دولة قوية وإقامة مجتمع قوي يستسلم للإرادة الإلهية. وهذا هو سر اصطفاء النبي صلى الله عليه وآله من العرب، فقد كان الوضع الروحي والاجتماعي للعرب قبل الإسلام بشكل يمكنهم من التقدم والتكامل والتفوق على الشعوب الأخرى سريعاً لو أزيلت عنهم الانحرافات الفكرية والمفاسد الأخلاقية وشاءت الإرادة الإلهية أن تنزل هذه العطية الإلهية من خلال القرآن والرسول على أولئك القوم بل على البشرية جمعاء في الوقت المناسب، وقضت الإرادة