ـ(77)ـ
الذي يقيد الفكر ويسلب حرية التفكير من الإنسان، ولهذا منعها الإسلام وذمها ذما شديداً.
ولقد ربط القرآن بين عقل الإنسان وقلبه وأحاسيسه بشكل دقيق، وجعل علاقة مباشرة بين الفكر والأخلاق، الأمر الذي لا وجود له في منطق أرسطو، ومن هنا يمكن أن ندرك أن القرآن جمع بين أسلوب الفلاسفة الذي يعتمد الاستدلال المحض، وأسلوب العرفاء وأهل السلوك والأخلاق، وتوأم بين الاستدلال الصحيح والطهارة القلبية؛ بعبارة ثانية فان الأسلوب القرآني هو خليط من فلسفة أرسطو وأفلاطون وجمع بين الفلسفة المشائية والاشراقية، اللتين تستند إحداهما إلى الاستدلال العقلي والأخرى إلى السير والكشف الباطني من خلال تزكية النفس، وقد حاول بعض الفلاسفة العرفاء الجمع بين هذين السلوكين وعلى رأسهم الحكيم صدر المتألهين الشيرازي الذي أرسى هذه الحكمة من خلال: (الحكمة المتعالية).
وهنا قد يسأل سائل: هل من المفروض ابتداءً تزكية الباطن وسلوك سبيل الإشراق ومن ثم الدخول إلى عالم الاستدلال على أساس الفلسفة المشائية، أم بالعكس، الابتداء بالاستدلال، لتأتي نتيجة هذا الاستدلال ملموسة من خلال تزكية الباطن والكشف والشهود؟
يبدو ان أسلوب صدر المتألهين ـ وحسب ما وصلنا من بعض تلامذة مدرسته، وربما كان محي الدين ـ من هذا الاتجاه هو الاحتمال الثاني، غير أن الأسلوب القرآني لنيل الحقائق والجمع بين طريقي الاستدلال والشهود ينطبق على الاحتمال الأول، لأننا قلنا بأن شرط الاستدلال الصحيح هو التعقل الصحيح المنطقي وصفاء الباطن وتزكية الأخلاق.