ـ(79)ـ
وما ضلال فرعون وادعاؤه الألوهية وقوله [أنا ربكم الأعلى](1) إلاّ ناجم عن طغيان الروح وعدم اعتدال الغرائز النفسية، وقد بعث الله تبارك وتعالى موسى إلى فرعون ليقدم له علاج التزكية لهذا المرض الخبيث: [اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى](2).
كما أن جهنم هي مأوى أهل الطغيان [للطاغين مآبا](3)، وما ألسنة لهيبها وأصوات نيرانها إلاّ تجسيد للشرر المتطاير من نفوس الطغاة الجامحة.
فما هو الطغيان؟
إن حقيقة الطغيان هو الخروج عن الاعتدال، والإفراط أو التفريط في الغرائز، ولهذا يطلق القرآن الكريم لفظ (الفاسقين) على أهل الطغيان والمنحرفين وحتى الكافرين، لأن الفسق في اللغة بمعنى الخروج والانحراف عن الطريق الصحيح، والفاسقون هم المنحرفون عن جادة الفطرة واعتدالها، والخط الوسط.
وبالطبع فان النفس الإنسانية تتوفر على ميول وغرائز عديدة منها الغريزة الجنسية وحب المال والأنانية وحب الجاه والسلطة وحب الجمال والميل إلى الطعام واللباس الأفضل، وخلاصة القول: إن الإنسان يعشق اللذة ويحب أن يعيش الحياة الأفضل، وهذه الميول ليست عيباً في الإنسان، إنما هي ضرورة له، ولكن ضمن حدود معينة ومقادير محدودة، إن قلت عنها أو كثرت عليها سببت للإنسان المتاعب والمشاكل، والإنسان الكامل هو الذي يستطيع تحديد مقدار الضرورة لإشباع هذه الغرائز، والاقتناع بذلك.
______________________
1 ـ النازعات: 24.
2 ـ النازعات: 17 ـ 18.
3 ـ عم: 22.