ـ(80)ـ
ومثل هذه الغرائز والميول للنفس الإنسانية، مثل المواد الكيمياوية المختلفة التي يحتاج البدن إلى المقدار اللازم المتعادل منها، فإذا اختل هذا التعادل وتغيرت الكمية أصيب الجسد بمختلف الأمراض.
وتأتي الأهواء النفسية لتؤجج هذه الميول، بينما تقضي الضرورة أن يصار إلى كبح جماحها وتعديلها وتحديدها، لأن في ذلك الفلاح والسعادة، وقد قال القرآن الكريم كلمته الفصل في ذلك، في قوله تعالى: [فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى] (1).
جذور الطغيان
إذ قلنا أن النفس الآدمية والميول الباطنية للإنسان خلقت هكذا، تطغى ولا يستطيع الإنسان أن يسيطر على غرائزه ويحددها، وبالتالي فان هذا المرض طبيعي ومزمن وليس له علاج، فان القرآن الكريم يرد علينا بأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان سويا على الفطرة، بمعنى أن الميول التي أودعها فيه ممكنة التعديل، ويمكنه بنفسه أن يبادر إلى تعديلها، ولكن بشرط أن يطلب ذلك ويريده، ويجاهد في سبيل حفظ تعادله، ذلك أنه لو ترك لجام النفس، فان نيران ميولها ورغباتها ستلتهم الوجود الإنساني كله.
هذا الاشتعال والطغيان يعتبر خاصية طبيعية للنار والميول النفسية، وبالطبع فان مما يؤثر على هذا الطغيان التربية الأسرية والبيئة والوراثة إلى حدٍّ ما والوضع المزاجي، إلاّ أن أيا من هذه العوامل لا تستطيع المقاومة أمام الإرادة الإنسانية التي تستطيع تطويع النفس
______________________
1ـ النازعات 37 ـ 41.